قد جعلتهما قرضًا لله تعالى. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك"قال: فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال:"إذن يجزيك الله به الجنة"فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول:
هداك ربي سبل الرشاد ... إلى سبيل الخير والسداد
بيني من الحائط بالوداد ... فقد مضى قرضًا إلى التناد
أقرضته الله على اعتمادي ... بالطوع لا من ولا ارتداد
إلا رجاء الضعف في المعاد ... فارتحلي بالنفس والأولاد
والبر لا شك فخير زاد ... قدمه المرء إلى المعاد
فقالت أم الدحداح: ربح بيعك! بارك الله لك فيما اشتريت! وأجابته أم الدحداح وأنشأت تقول:
بشرك الله بخير وفرح ... مثلك أدى ما لديه ونصح
قد متع الله عيالي ومنح ... بالعجوة السوداء والزهو البلح
والعبد يسعى وله ما قد كدح ... طول الليالي وعليه ما اجترح
ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"كم من عذق رداح ودار فياح لأبي الدحداح". أي في الجنة.
إن تاريخ الإسلام وتاريخ الأنبياء وأتباعهم في كل عصر. حافل بالصور الحية، والنماذج الرائعة للبذل والتضحية في سبيل الحق، وهي صور ونماذج لم يصنعها غير الإيمان، ولن يصنع أمثالها -إذا أردنا لها أمثالًا- إلا الإيمان!.