إن صنع هذا الإنسان أمر عسير غير يسير.
ولكن الإيمان وحده هو صانع العجائب، الإيمان هو الذي يهيئ النفوس لتقبل المبادئ الخيرة مهما يكمن وراءها من تكاليف وواجبات، وتضحيات ومشقات، وهو العنصر الوحيد الذي يغير النفوس تغييرًا تامًا، وينشئها خلقًا آخر. ويصبها في قالب جديد، فيغير أهدافها وطرائقها، ووجهتها وسلوكها وأذواقها ومقاييسها، ولو عرفت شخصًا واحدًا في عهدين -عهد الكفر وعهد الإيمان- لرأيت الثاني شخصًا غير الأول تمامًا، لا يصل بينهما إلا الاسم، أو النسب أو الشكل.
والإيمان كذلك لا يعترف بالمراحل والأعمار التي وضعها علماء النفس والتربية، واشترطوها لنجاح المجهود التربوي.
إنهم يقررون أن هناك سنًا معينة هي سن القبول لتكوين العادات، واكتساب الصفات، وتهذيب الطباع والأخلاق، تلك هي سن الطفولة، فإذا كبر المرء أو المرأة على صفات خاصة فهيهات أن يحدث فيها تغيير يذكر، فمن شب على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه.
وينفع الأدب الأحداث في صغر ... وليس ينفع عند الشيبة الأدب
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب
ولكن هناك شيئًا واحدًا تخطى قواعد التربويين والنفسيين. ذلك هو الإيمان، هو الدين، فالإيمان إذا سكن في قلب، وتغلغل في أعماقه، حول اتجاهه، وغير نظرته للكون والحياة، وأحكامه على الأشياء والأعمال، وعدل سلوكه مع الله والناس، ولم يقف في سبيل ذلك فتوة الشباب، ولا كهولة الكهول، ولا هرم الشيوخ.