فقد عرف الإنسان عدم كفاية العلم الذي أراد أن يضعه مكان الدين، ومكان موازين القيم المعنوية، فلقد شهد العلم نفسه انهيار أساسين وقاعدتين من قواعده، هذين الأساسين اللذين كانا بمثابة البداهة حتى نهاية القرن الماضي. فكما قال «أورتاكاي كست» في اجتماع جنيف: بأن الفيزياء والمنطق اللذين هما أساسا العلم -العلم الذي قام عليه بناء المدنية الغربية- قد هدما نفسيهما، بنفسيهما:"إن فجاعة الدراما ربما لا تكون ظاهرة لكل عين، لأن عين غير الخبير لا تكشف في قطرة دم تحت الميكروسكوب علامات مرض قاتل. ولكن كل خبير يستطيع أن يقدر بأن الوضع الذي سقط فيه المنطق والفيزياء اليوم لهو أبلغ في الإشارة إلى الأزمة التي تعانيها مدينتنا من جميع فجائع السياسة والحرب، لأن هذين العلمين كانا بمثابة الصندوق الذي يخبئ فيه الغربيون فائضهم من الذهب، استعدادًا لاستقبال الأيام المقبلة بأمن وطمأنينة".
وبعد أن شرح العالِم الشهير كيف غير الفيزياء أساسه، وكيف أن المنطق في ظرف خمسين سنة بواسطة أبحاث ودراسة «رسل» و «وايتهيد» و «هليبرت» ، قد غير أساسه أيضًا، تابع كلامه:"إن مدنيتنا أصبحت تعلم الآن أن أسسها في حالة إفلاس، ولذلك نراها تشك في نفسها، ولكن ليس من الممكن أن تموت حالًا أية مدنية لمجرد هزة شك، وإنما على العكس فإنني أرى أن المدنيات لا تموت إلا من تصلب المعتقدات وتحجرها. وكل هذه تشير إلى أن شكل مدنيتنا أو بالأصح شكل المدنية التي يبجلها الغرب قد جف وانتهى".