الأرض جميعًا منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الجاثية: 12، 13) .
(ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (لقمان: 20) .
وتلك هي مكانة الإنسان في هذا الكون وصلته بما فيه.
وما الذي بوأ الإنسان هذه المكانة السامقة وفي الكون أجرام أضخم منه وأكبر؟
إنه سر القبس الذي هو فيه من نور الله، والنفخة التي فيه من روح الله.
تلك النفخة التي جعلته مستعدًا للخلافة في الأرض، مستعدًا لحمل الأمانة الكبرى. أمانة التكليف والمسئولية، تلك التي صورها القرآن تصويرًا أدبيًا رائعًا حين قال: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) (الأحزاب: 72) .
هذا الاستعداد في الإنسان هو الذي جعل مصيره بيده - بعد أن يسر الله له سبل الهداية وأزاح عنه كل الأعذار: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) (القيامة: 4) (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (الكهف: 29) (قد أفلح من زكَّاها * وقد خاب من دسَّاها) (الشمس: 9، 10) (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها) (الإسراء: 7) .
لقد سما الإسلام بالإنسان فاعترف به كله، روحه وجسده، عقله وقلبه، إرادته ووجدانه، غرائزه الهابطة وأشواقه الصاعدة .. لم يضع في عنقه غلًا، ولا في رجله قيدًا، ولم يحرم عليه طيبًا، ولم يغلق في وجهه باب خير، من لم يدعه للمتاجرين بالدين يتلاعبون به، بل خاطبه خطابًا مباشرًا