فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 349

لإهمال أحد هذين العنصرين في كيانه، أو نتيجة للفصل بينهما، واعتبار كل منهما منفصلًا عن الآخر"."

والإسلام قد عرف طبيعة الإنسان حق معرفتها، وقدرها حق قدرها، لأن الإسلام كلمة الله، والإنسان خلق الله، وخالق الشيء وصانعه لا يجهل طبيعته وكنهه: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ؟ (الملك: 14) .

وقد خلق الله هذا الإنسان جسمًا كثيفًا، وروحًا شفافًا. جسمًا يشده إلى الأرض، وروحًا يتطلع إلى السماء. جسمًا له دوافعه وشهواته، وروحًا له آفاقه وتطلعاته. جسمًا له مطالب أشبه بمطالب الحيوان، وروحًا له أشواق كأشواق الملائكة.

هذه الطبيعة المزدوجة ليست أمرًا طارئًا على الإنسان، ولا ثانويًا فيه، بل هي فطرته التي فطره الله عليها، وأهله بها للخلافة في الأرض، منذ خلق آدم خلقًا جمع بين قبضة الطين ونفخة الروح: (ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم * الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفح فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلًا ما تشكرون) (السجدة: 6 - 9) .

وجاءت عقيدة الإسلام، فلم تغفل الروح من أجل الطين، ولم تغفل الطين من أجل الروح. بل زاوجت بينهما في وحدة متسقة ملتئمة، وأعطت الروح حقه، والجسد حقه، في غير إفراط ولا تفريط.

وعرف التاريخ أديانًا ونحلًا تقوم فلسفتها على إغفال الجانب المادي الجسدي في الإنسان، والعمل على تعذيبه وإضعافه، لينمو الجانب الروحي فيه، ويصفو ويقوى كالبرهمية الهندية، في الرهبانية المسيحية.

وفي مقابل هذا الاتجاه جاء الاتجاه المادي الذي يجحد أن في الإنسان روحًا أو أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت