وقال ابن الزملكاني: إن كانت له قوة للاستنباط، لمعرفته بالقواعد، وكيفية استثمار الأحكام من الأدلة الشرعية، ثم استقل بالمنقول، بحيث عرف ما في المسألة من إجماع أو اختلاف، وجمع الأحاديث التي فيها، والأدلة، ورجحان العمل ببعضها، فهذا هو المجتهد الجزئي، والمتجه أنه يجب عليه العمل بما قام عنده على الدليل، ولا يسوغ له التقليد.
وإذا تأمل الباحث عن حال الأئمة المنقول أقاويلهم، وعُدّوا من أهل الاجتهاد، ثم إنهم عدوا لذلك لاستجماعهم شروط الاجتهاد الكلية المشتركة بين جميع المسائل، وأحاطوا بأدلة جملة غالب من الأحكام، وقد علم من حال جمع منهم في بعض المسائل عدم الاطلاع على ما ورد في تلك المسألة، فإن منهم من يعلق القول على صحة الحديث لم يكن قد صح عنده، ومنهم من يقول: لم يرد هذا الحديث، كذا، وإن صح قلت به، ثم يجد تلك الزيادة قد صحت، أو الحديث المعلق عليه قد صح، أو يعلل رد الحديث بعلة ظهرت له يظهر انتفاؤها، ومثل ذلك في قول الأئمة كثير، ولا سيما مَن كثر أخذه بالرأي وترجيح الأقيسة.
فإذا كان هذا الموصوف يقلد الإمام في مسائل يسوغ له التقليد فيها، وقع له في مسألة (هذه الأهلية) ، تعين عليه الرجوع إلى الدليل والعمل به، وامتنع عليه التقليد، وأما من لم يبلغ هذه الدرجة، بل له أهلية النظر والترجيح، وفيه قصور عن جمع أهلية الاجتهاد المشتركة، ولكن جمع أدلة تلك المسائل كلها، وعرف مذاهب العلماء فيها، لهذا لا يتعين عليه العمل بقول إمامه، ولا بهذا الدليل، بل يجوز له التقليد، وينبغي له تقليد من الحديث في جانبه إذا لم يعلم اطلاع إمامه عليه وتركه لعلة فيه، أو لوجود أقوى منه.
أما إن كان قد جمع أهلية الاجتهاد المشتركة بين جميع المسائل، ولم يجمع أدلة هذه المسائل، بل رأى فيها حديثًا يقوم بمثله الحجة، فهذا له أحوال:
أحدها: أن يعلم حجة إمامه، كمخالفة مالك لعمل أهل المدينة على خلافه، فإن كان ممن يعتقد رجحان مذهب إمامه بطريقه، فيعمل بقوله، وهو أولى، وإن لم يتعين.