فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 305

ومن ركائز فقه الاختلاف: اعتقاد أن العالم إذا أخطأ في اجتهاده، فهو مأجور عند الله تعالى، أجرًا واحدًا، بخلاف ما إذا أصاب فإن له أجرين اثنين. وهو ما صح به الحديث الذي ذكرناه قريبًا.

فالمجتهد المصيب له أجران: أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، والمجتهد المخطئ له أجر واحد على اجتهاده؛ لأنه أعمل فكره، واستفرغ وسعه في طلب الحق، ولم يوفق إليه، فخليق ألا يحرم أجر معاناته للاجتهاد والبحث.

وهذا في الواقع من روائع الإسلام، فقد كان يمكن أن يكتفى بلالقول: إن من اجتهد فأخطأ فهو معذور، بحيث لا يلام ولا يعنّف، ولا يوجّه إليه نقد ولا اعتراض. أما أن يعذر ويؤجر على اجتهاده الخاطئ، فهي إحدى روائع هذا الدين الذي يحرّض العقل المسلم على البحث والاستنباط والاجتهاد وإن أخطأ الصواب.

ولكني أحب أن أنبه على أمرين مهمين هنا:

أولهما: أن هذا الأجر إنما يتم ويتحقق إذا صدر الاجتهاد من أهله في محله.

ومعنى"من أهله": أي أهل الاجتهاد ممن استجمع شرائطه وأدواته من المعرفة بالقرآن والحديث والعربية ومواضع الإجماع والخلاف، ومعرفة الأصول والقياس والعلل، وممارسة الفقه حتى تتكون لديه ملكة قادرة على استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية، فلا يؤجر كل من هب ودب، ممن يقحم نفسه فيما لا يحسنه، ولا يحلل أدواته، فيفتي بغير علم، فيضيق ويُضل.

ومعنى"في محله": أي في محل الاجتهاد ومجاله، وهو ما كان دليله ظنيًّا من الشرعيات، أما ما ثبت بدليل قطعي الثبوت"كالقرآن والحديث المتواتر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت