فقد ذكر عن الحكم بن معبد: حدثني أحمد الدورقي، قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في هؤلاء الذين يقولون: لفظي بالقرآن مخللوق؟ فرأيته استوى واجتمع، وقال: هذا شر من قول الجهمية، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمخلوق.
وعلق الذهبي على هذا قائلًا:
لقد كان هذا الإمام لا يرى الخوض في هذا البحث خوفًا من أن يُتذرَّع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولى. آمنا بالله تعالى، وبملا كته، وبكتبه، ورسله، وأقداره، والبعث، والعرض على الله يوم الدين. ولو بسط هذا السطر، وحرر وقرر بأدلته لجاء في خمس مجلدات، بل ذلك موجود مشروح لمن رامه، والقرآن فيها شفاء ورحمة للمؤمنين، ومعلوم أن التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه، فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق، وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه.
فقد أحسن الإمام عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين، إذ كل واحد من إطلاق الخلفية وعدمها على الفلظ موهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. والله أعلم (1) .
فنجده هنا انتقد الإمام أحمد برفق وأدب في قوله بعدم مخلوقية لفظ القارئ بالقرآن.
ومن إنصاف الذهبي رحمه الله: دفاعه عن العلماء الثقات ما وجد إلى ذلك سبيلًا، كما رأينا ذلك في دفاعه عن إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين عليه رحمة الله.
(1) "سير أعلام النبلاء" (11/ 290) .