ومن ركائز هذا الفقه"فقه الاختلاف"أو"فقه الائتلاف": الأدب مع الكبراء، والمعرفة بفضلهم، وحسن التخاطب معهم.
فمن المعروف أن من القيم الإسلامية، والآداب المتوازنة في الأمة: توقير الصغير للكبير، وفي مقابلها رحمة الكبير للصغير، وفي هذا جاء الحديث النبوي: «ليس من أمتي من لم يجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنئا» (1) وفي الحديث الآخر: «البركة مع أكابركم» (2) . ومن هنا أكدت الآداب الإسلامية فريضة توقير الابن لأبيه، والتلميذ لمعلمه، والمريد لشيخه، والجندي لقائده.
ونحن نقرأ في كتاب الله من توقير"الوالدية"ما لا يخفى على مسلم. وحسبنا قول الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24 [. بل قال تعالى في بر الوالدين المشركين الداعيين إلى الشرك: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] .
والمعلم أب روحي للإنسان، بل ربما وجدنا بعض الناس يجعل المعلم أكثر من الأب، كما قيل لبعضهم: نراك توقر معلمك أكثر من أبيك! فقال: لأن أبي سبب حياتي الفانية - يعني: الحياة المادية - ومعلمي سبب حياتي الباقية، - يعني: الحياة الروحية والعقلية -.
اقتبس الشاعر هذا المعنى ونظمه في قوله:
فهذا مربي الروح، والروح جوهر ÷ وذلك مربي الجسم، والجسم كالصدف
(1) رواه أحمد بإسناد حسن عن عبادة بن الصامت، ورواه الطبراني والحاكم أيضًا. انظر:"المنتقى من الترغيب والترهيب"حديث رقم [69] ).
(2) رواه الطبراني في"الأوسط"، والحاكم وصححه على شرط البخاري، المصدر السابق رقم [67] .