فالعالم الْمُقْتَدَى به، المقبول عند الأمة، يفترض في مثله ألا يخالف الكتاب والسنة إلا من خطأ أو غفلة، فلهذا يدفعنا حسن الظن به إلى التماس المخارج المقبولة لتأويل كلامه بما يليق به وبسيرته ومنهجه، دون اعتساف أو تكلف.
فإذا لم يتهيأ ذلك، فلا يسعنا إلا أن نحكم على قوله أو سلوكه بالخطأ؛ لأنه بشر مجتهد غير معصوم، دون أن نتهمه في نيته، أو نجرِّحه في دينه، أو نحقر من شأنه.
يقول ابن تيمية:
"الغلط مع حسن القصد وسلامته، وصلاح الرجل وفضله ودينه، وزهده وورعه وكراماته كثير جدًّا. فليس من شرط ولي الله أن يكون معصومًا من الخطأ والغلط، بل ولا من الذنوب."
وأفضل أولياء الله بعد الرسل أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - قد ثبت في"الصحيح"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما عبر الرؤيا أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا (1) ا ه.
ومن ذلك تعليق ابن تيمية على ما جاء عن الشلبي - رحمه الله: أنه سمع قارئا يقرأ قوله تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران: 152] فصرخ. وقال: أين من يريد الله!
قال: فيحمد منه كونه أراد الله، ولكن غلط في ظنه أن الذين أرادوا الآخرة ما أرادوا الله. وهذه الآية في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين كانوا معه بأُحُد. وهم أفضل الخلق، فإن لم يريدوا الله، أفيريد الله مَنْ هُمْ دونهم كالشلبي وأمثاله! (2)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في الحديث الصحيح في خطبة يوم الجمعة: خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها،
(1) الاستقامة لابن تيمية، بتحقيق د. رشاد سالم (2/ 93) .
(2) المصدر السابق نفسه، ص 107.