فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 305

وكان الإمام أبو محمد بن حزم شافعيًّا في أول أمره، ثم اختار المذهب الظاهري - مذهب داود وأصحابه - وقد أحيا المذهب بعد ما اندرس، بات أقوى المدافعين عنه.

وكان ابن عبد السلام مالكيًّا ثم صار شافعيًّا، على أنه بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق.

وآخرون من العلماء، غيّروا مذاهبهم، ولا جناح عليهم فيما فعلوا، فإنما انتقلوا من مدرسة في الفقه إلى مدرسة ومن خير إلى خير مثله.

وهذا أمر مقبول من العلماء ما دام مؤسسًا على ترجيح علمي بدا لصاحبه، وليس من أجل دنيا أو منصب، أما العامي المحض، فلا ينبغي له أن ينتقل. إذ الذي اخترناه أن العامي لا مذهب له في الحقيقة، إنما مذهبه مذهب من يفتيه.

قال الزركشي: ظاهر كلامهم جريان هذا الخلاف (أي في الانتقال من مذهب إلى آخر) في تتبع الرخص وغيرها. وربما قيل: اتباع الرخص محبوب، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه» (1) . ويشبه جعله في غير المتتبع، ويمنع المتتبع من الانتقال قطعًا، خشية الانحلال. وحكى ابن المنيّر عن بعض المشايخ الشافعية أنه فاوضه في ذلك وقال: أي مانع يمنع

من تتبع الرخص ونحن نقول: كل مجتهد مصيب، وإن المصيب واحد غير معين، والكل دين الله، والعلماء أجمعون دعاة إلى الله؟

"قال": حتى كان هذا الشيخ - رحمه الله - من غلبة شفقته على العامي إذا جاء يستفتيه مثلًا في حِنْث ينظر في واقعته، فإن كان يحنث على مذهب الشافعي، ولا يحنث على مذهب مالك قال لي: أفته أنت. يقصد بذلك التسهيل على المستفتي ورعًا. كان ينظر أيضًا في فساد الزمان وأن الغالب عدم

(1) رواه أحمد والبيهقي عن ابن عمر، والطبراني عن ابن عباس وابن مسعود، تتمته: «كما يحب أن تؤتى عزائمه» ورواه أحمد أيضًا وابن حبان والبيهقي في"الشعب"عن ابن عمر، وتتمته: «كما يكره أن تؤتى معصيته» ، انظر:"صحيح الجامع الصغير" [1885، 1886] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت