فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 305

ومع هذا لم يوجب عليه قودًا، ولا دية، ولا كفارة؛ لأنه كان متأولًا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذًا.

فكهذا السلف قاتل بعضهم بعضًا من أهل الجمل وصفين ونحوهم، وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] ، فقد بيّن الله تعالى أنهم مع اقتتالهم، وبغي بعضهم على بعض: إخوة مؤمنون، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل.

ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضًا موالاة الدين، لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.

هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن البدعة، والاختلاف، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة» ، وقال: «الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد» ، وقال: «الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، والذئب إنما يأخذ القاصية والنائية من الغنم» .

فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالًّا أو غاويًا، وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإذا كان قادرًا على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه، وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة

خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه، الأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت