ومن الباحثين المعاصرين: من علق على"قاعدة المنار الذهبية"فأقر شقها الأول:"نتعاون فيما اتفقنا عليه"، لكنه غَيَّر أو عدَّل في شقها الآخر، وهو الذي يقول:"ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه"- أي نتسامح في هذا القسم، فعدله بقوله:"ونتحاور فيما نختلف فيه".
وكان صديقنا الأستاذ الباحث المدقق عبد الحليم أبو شقة - عليه رحمة الله - من المؤمنين أعمق الإيمان بضرورة الحوار، وأهمية الحوار وجدوى الحوار، وأنه لا يكفي أن يعذر بعضنا بعضًا، بل لا بد أن نتحاور.
وكنت أقول له: إنه - مع ضرورة الحوار وأهميته وجدواه - ستظل مساحة لا بد منها للاختلاف، إذ الحوار - مهما يتسع مداه - لا يمكن أن يمنع الاختلاف، وإلا، وقعنا فيما وقعت فيه مدرسة"الرأي الواحد"التي تريد أن تمنع الخلاف، وتجمع الناس على رأي واحد، هو في الحقيقة رأيها.
إذ كيف نلغي من الساحة أو من الحياة"التنوع"الموجود في البشر، وهو الذي يمنح الحياة ثراءها وحيويتها وخصوبتها؟!.
سيظل في الناس الذين يميلون إلى ظواهر النصوص، والذين يميلون إلى مقاصدها. أي الذين لم يُصَلُّوا العصر إلا في بني قريظة وإن فات الوقت، عملًا بحرفية النص، والذين صلوا في الطريق - مخالفين للظواهر - عملًا بمقصود النص.
سيظل في الناس"المشدد"الذي يأخذ الناس كل الناس بالعزائم، ويجنح أبدًا إلى الأحوط، و"الميسر"الذي يأخذ الناس بالرخص، ويفتي عموم الناس بالأيسر. وبعبارة أخرى: ستظل في الحياة شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس.
ومع وجود هذا الاختلاف في الناس أيًّا كانت أسبابه، فلا بد من التسامح في المختلف فيه.