قال: لا، نحن لا نراه جائزًا، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (1) ، ولكنه إذا كان يتأول فلا بأس أن يصلي خلفه.
قيل له: كيف وهو مخطئ في تأويله؟! ليس من تأول كمن لا يتأول. ثم قال: كل من تأول شيئًا جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه أو عن أحدهم فذهب إليه، فلا بأس أن يصلي خلفه، وإن قلنا نحن خلافه من وجه آخر، لأنه قد تأول (2) .
يعني الإمام أحمد: أنه يحترم صاحب الرأي الآخر، وإن كان يخالفه، ما دام ذلك الرأي مؤسسًا على تأويل وموقف علمي. وهذا هو التسامح الذي يليق بأمثال أحمد - رضي الله عنه -.
وأود أن أذكر هنا نموذجًا يبيّن لنا كيف يكون التقويم العادل لما ينقل عن السلف - رضوان الله عليهم - دون طعن عليهم أو تجريح لهم، وهو مأخوذ ملخصًا من"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية".
وسئل الشيخ - رحمه الله - عما ذكر الأستاذ القشيري في"باب الرضا"عن الشيخ أبي سليمان أنه قال: الرضا: ألا يسأل الله الجنة، ولا يستعيذ من النار، (3) ، فهل هذا الكلام صحيح؟!
فأجاب: الحمد لله رب العالمين: الكلام على هذا القول من وجهين:
أحدهما: من جهة ثبوته عن الشيخ.
والثاني: من جهة صحته في نفسه وفساده.
أما المقام الأول فينبغي أن يعلم أن الأستاذ أبا القاسم"القشيري"لم يذكر عن الشيخ أبي سليمان بإسناد، وإنما ذكره مرسلًا عنه، وما يذكره أبو القاسم في
(1) رواه النسائي.
(2) فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر (3/ 681) .
(3) الرسالة القشيرية (2/ 425) د. عبد الحليم محمود.