ومن الركائز المهمة هنا: إنصاف الخصوم، وإعطاؤهم حقهم من الناحية الأدبية، كما يعطون حقهم من الناحية المادية.
فلا يجوز أن أهضم حقك، وأغفل عمدًا ذكر حسناتك، والتنويه بفضائلك، لمجرد خلافي معك في قضية أو أكثر 96، كما يفعل الكثيرون، يجورون على خصومهم، فلا يكادون يعترفون لهم بحسنة، وإن عرفوا لهم سيئة أذاعوها ونشروها، بل ربما ضخموها، وجعلوا من الحبة قبة، ومن الفأر جملًا. فهم كما قال الشاعر قديمًا:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا ÷ مني، وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ÷ وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
جهلًا علينا وجبنًا عن عدوّهمو ÷ لَبِئْسَتِ الخلتان: الجهل والجبن
والمسلم الحق هو الذي يقضي بالعدل، ويعمل بالإنصاف، مع الناس جميعًا: برهم وفاجرهم، مسلمهم وكافرهم، قريبهم وبعيدهم، صديقهم وعدوهم، فالعدل لا يعرف عواطف الحب والبغض، بل هو عدل الله لكل عباد الله.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] .
ولقد علمنا القرآن الكريم الإنصاف في التعامل مع الخصوم، والعدل في الحكم عليهم أو لهم. كما قال تعالى عن اليهود: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42] .
وقد أنزل الله تعالى في سورة النساء تسع آيات من كتابه الخالد، تدافع عن يهودي اتهم ظلمًا بالسرقة، ولم يسرق، وإنما سرق مسلم أراد قومه أن يبرئوه،