فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 305

وقد سأل ابن الكواء عليَّ بن أبي طالب عن: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} [الذاريات: 1، 2] .. إلخ، فقال له علي: ويلك! سل تفقُّهًا ولا تسأل تعنتًا، ثم أجابه، فقال له ابن الكواء: أفرأيت السواد الذي في القمر؟ فقال: أعمى سأل عن عمياء، ثم أجابه، ثم سأله عن أشياء، وفي الحديث طول.

وقد كان مالك بن أنس يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، ويحكي كراهيته.

وبيان الاستحسان فيه من عدة أوجه متعددة ذكرها الشاطبي:

1 -منها أنه شغل عما يعنى من أمر التكليف الذي طُوِّقه المكلف بما لا يعنى، إذ لا ينبني على ذلك فائدة لا في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الآخرة فإنه يُسأل عما أمر به أو نهي عنه، وأما في الدنيا فإن علمه بما علم من ذلك لا يزيده في تدبير رزقه ولا ينقصه، وأما اللذة الحاصلة عنه في الحال، فلا تفي مشقة اكتسابها وتعب طلبها بلذة حصولها. وإن فرض أن فيه فائدة في الدنيا فمن شرط كونها فائدة شهادة الشرع لها بذلك، وكم من لذة وفائدة يعدها الإنسان كذلك، وليست في أحكام الشرع إلا على الضد، كالزنى، وشرب الخمر، وسائر وجوه الفسق والمعاصي التي يتعلق بها غرض عاجل. فإذن قطع الزمان فيما لا يجني ثمرة في اللدارين، مع تعطيل ما يُجني الثمرة، من فعل ما لا ينبغي.

2 -ومنها أن الشرع قد جاء ببيان ما تصلح به أحوال العبد في الدنيا والآخرة على أتم الوجوه وأكملها، فما خرج عن ذلك قد يظن أنه على خلاف ذلك، وهو مشاهد في التجربة العادية: فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية، تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب، حتى تفرقوا شيعًا. وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنة، ولم يكن أصل التفرق إلا بهذا السبب، حيث تركوا الاقتصار على العلم على ما يعنى، وخرجوا إلى ما لا يعنى، فلذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت