فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 305

وليت شعري كيف وسع هذا الشيخ أن يغضي ويسكت أمام سيطرة القوانين الوضعية وطردها لكل مذاهب الفقه الإسلامي من ساحة التشريع والتقنين والقضاء، ويثور اليوم كالليث إذا أريد أن تستمد القوانين من سائر المذاهب الفقهية الإسلامية بمعنى أن يؤخذ أرجحها وأليقها بتحقيق مقاصد الشرع ومصالح الناس في حياة مجتمعنا المعاصر؟

ومن ثمار هذا الفقه: تجنب المفاضلة بين المذاهب المعتبرة عند الأمة. وأحسب أن من دلائل التعصب: تفضيل بعض المذاهب على بعض، تفضيلًا ينقص من قدر المذاهب الأخرى، ويحط من شأنها.

وقد أنكر هذا بعض المحققين من علماء المذاهب أنفسهم، ولم يرضوا بمدح بعض المذاهب على حساب المذاهب الأخرى، وكلهم على حق، وعلى هدى من ربهم.

فمسألة المفاضلة أو"التفضيل"هذه آفة لدى بعض الناس، وقد غزت تفكير بعض الناس حتى شاعت بينهم هذه المفاضلات: المفاضلة بين الليل والنهار، والمفاضلة بين الصيف والشتاء، والمفاضلة بين الأرض والسماء.

وانتهى آخرون من هذه المفاضلات إلى التفضيل بين الأنبياء والرسل بعضهم وبعض، مع قوله تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285] .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تخيروا بين الْأنبياء» (1) .

قال ابن المنير: وقد ذكر قوم من أتباع المذاهب في تفضيل أئمتهم. وأحق ما يقال في ذلك ما قالت أم الكملة عن بنيها: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها!

فما من واحد منهم إذا تجرد النظر إلى خصائصه إلا ويفنى الزمان حتى لا يبقى فيهم فضلة لتفضيله على غيره.

وبيَّن ابن المنير أن سبب ذلك إنما هو غلبة العادة، فلا يكاد يسع ذهن أحد

(1) متفق عليه عن أبي سعيد، كما في"اللؤلؤ والمرجان" [1535] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت