وكل بدعة ضلالة» ولم يقل: «وكل ضلالة في النار» ، بل يضل عن الحق من قصد الحق، وقد اجتهد في طلبه فعجز عنه، فلا يعاقب، وقد يفعل بعضَ ما أمر به، فيكون له أجرٌ على اجتهاده، وخطؤه الذي ضل فيه عن حقيقة الأمر مغفور له.
وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرأي رأوه، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم.
وإذا اتقى الرجل رَبَّه ما استطاع، دخل في قوله: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] ، وفي"الصحيح": أن الله قال: «قد فعلت» ، وبسط هذا له موضع آخر" (1) ."
ويسرني أن أنقل هنا كلمة عميقة مضيئة لصديقنا الأستاذ عبد الحليم أبو شقة - رحمه الله - ذكرها في كتابه القيم تحت الطبع"نقد العقل المسلم"، تحدث فيها عن موقف المعاصرين من التراث على اختلاف مشاربهم وألوانهم: قال:
"إن التراث وقع بين قاتلين ثلاثة: مُبْغِض يقتله بحقده عليه، وجاهل يقتله بمسخه له، ومستسلم يقتله بقلة فهمه."
وحديثنا هنا خاص بالفريق الثالث، فهو أولى الثلاثة في نظرنا بالحديث، حيث إن دوره في المسخ ساعد على تجهيل الفريق الثاني، أما الفريق الأول فهو أحد اثنين: إما مبغض نتيجة تصور خاطئ للتراث، فهذا قد يفيده التصحيح، وإما مبغض حاقد على العلم وأهله، فهذا لا نملك معه شيئًا.
والخضوع للتراث درجات بعضها فوق بعض كما يلي:
الدرجة الأولى: من آتاه الله حظًّا من الجرأة على البحث والنظر، فإذا هداه الله لرأي توقف وتخوف، ولا يطمن له قلب حتى يعرف أن أحدًا ما من السابقين قد قال به أو قريبًا منه، وإلا توقف عن إعلان رأيه تمامًا.
الدرجة الثانية: من آتاه الله حظًّا من العلم، واطلع على رأي للسلف في
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية (19/ 191، 192) .