وذكر الإمام الزركشي في كتابه:"البحر المحيط"في أصول الفقه حكم التقليد في العلم الشرعي: وهو المتعلق بالفروع، وأن المذاهب فيه ثلاثة:
مذهب أوجبه، ومذهب حرّمه، ومذهب توسط.
أما"الأول"فذهب بعض المعتزلة إلى تحريم التقليد مطلقًا، كالتقليد في الأصول، ووافقهم ابن حزم، وكان يدعي الإجماع على النهي عن التقليد، قال: ونقل عن مالك أنه قال:"أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق فاتركوه"، وقال عند موته:"وددت أني ضربت بكل مسألة تكلمت فيها برأي سوطًا، على أنه لا صبر لي على السياط"!
قال: فهذا مالك ينهى عن التقليد، وكذلك الشافعي وأبو حنيفة، وقد ذكر الشافعي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا، فقال بعض جلسائه: يا أبا عبد الله، أتأخذ به فقال له: أرأيت علي زنارًا؟ أرأيتني خارجًا من كنيسة حتى تقول لي في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: أتأخذ بهذا؟! ولم يزل - رحمه الله - في كتبه ينهى عن تقليده وتقليد غيره. وهكذا رواه المزني في أول"مختصره"عنه. انتهى كلام ابن حزم.
قال الزركشي:
وهذا الذي قاله ممنوع، وإنما نهوا المجتهد خاصة عن تقليدهم، دون من لم يبلغ هذه الرتبة. قال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد، وإبطال التقليد لقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، واستثنى مالك أربع عشرة صورة للضرورة: وجوب التقليد على العوام، وتقليد القائف، إلى آخر ما ذكره.
والثاني: يجب مطلقًا، ويحرم النظر، ونسب إلى بعض الحشوية.
والثالث: وهو الحق، وعليه الأئمة الأربعة وغيرهم: يجب على العامي، ويحرم على المجتهد، وقول الشافعي وغيره:"لا يحل تقليد أحد"، مرادهم: على المجتهد.