وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي: الرجل يكون عنده الكتب المصنفة، فيها قول الرسول، واختلاف الصحابة والتابعين، وليس له بصيرة بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف: هل يجوز أن يعمل بما شاء ويفتي به؟ قال: لا يعمل حتى يسأل أهل العلم عما يؤخذ به منها. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر هذا أن فرضه التقليد والسؤال إذا لم يكن له معرفة بالكتاب والسنة. انتهى.
وأما تحريمه على المجتهد، فلقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] ، يعني كتاب الله وسنة رسوله بالاستنباط.
وفي حديث معاذ المتلقى بالقبول لما قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «بِمَ تحكم؟» ، قال: بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد؟» ، قال: بسنة رسول الله. قال: «فإن لم تجد؟» ، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسوله، إلى ما يرضاه رسول الله» !! (1) ، قالوا: فصوَّبه في ذلك، ولم يذكر من جملته التقليد، فذلك دل على أن التقليد يحرم على العلماء الذين هم من أهل الاجتهاد والاستنباط، ولهذا قال تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] .
قال المزني في كتابه:"فساد التأويل":"توفيق الله تعالى لمعاذ في اجتهاده لما يرضاه رسوله عندنا إنما هو لنظر الكتاب والسنة. ولو كان تأويله: أفرضُ ما رأيتُ في الحادثة، لوجب فرض ذلك على جميع الناس."
قال: وقد ذم الله التقليد في غير ما آية كقوله: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 23] ، وقوله: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 67] ، وقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] ، وفي الحديث: «إن الله لَا يقبض العلم انتزاعًا، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء» (2) .
(1) رواه أبو داود.
(2) متفق عليه عن عبد الله بن عمرو.