فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 305

ولا غرو أن وجدنا المسلمين يتوارثون هذه الكلمة: من علمني حرفًا، صرت له عبدًا، أي أسرني بهذا الحرف الذي علمه لي.

وقد بالغ الصوفية في توقير المعلم أو الشيخ حتى قالوا: من قال لشيخه: لِمَ؟ لم يفلح. وقالوا: المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل!

ولكن لا ينبغي إلغاء شخصية التلميذ أو المريد إلى هذا الحد، فمن حقه أن يسأل، وأن يفهم، ومن حقه أن يجاب، وأن تزاح عن صدره الشبهة، وأن يلقن الحجة. ولكن مع غاية الأدب والتوقير لشيخه، وانتهاز الوقت المناسب للسؤال. وأن يسأل سؤال المتعلم لا سؤال المستعلي.

وللإمام أبي إسحاق الشاطبي هنا كلام جيد، ينبغي أن ننقل خلاصته لما فيه من تأصيل هذا الأدب تأصيلًا شرعيًّا موثقًا بالأدلة من الكتاب والسنة.

قال الشاطبي رحمه الله: ترك الاعتراض على الكبراء محمود. واستدل على ذلك بعدة أمور:

أهمها: ما جاء في القرآن الكريم، من قصة موسى مع الخضر، واشتراطه عليه ألا يسأل عن شيء حتى يحدث له منه ذكرًا. يشير إلى قوله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا. قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: 66 - 70] ، فكان ما قصّه الله تعالى من قوله: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78] ، وقول محمد عليه الصلاة والسلام: «يرحم الله أخي موسى لو صبر حتى يقص علينا من أخبارهما» (1) ، وإن كان إنما تكلم بلسان العلم، فإن الخروج عن الشرط يوجب الخروج عن المشروط.

(1) أخرجه في"تيسير الوصول عن الشيخين والترمذي"من حديث أُبيّ بن كعب بلفلظ: «رحم الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهما» ، وانظر: البخاري في"العلم"، ومسلمًا في"الفضائل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت