وقد ألَّف الإمام أبو حيان كتابًا في هذه الموضوع سمَّاه:"إملاء ما منَّ به الرحمن في إعراب ما أشكل من آيات القرآن"، وهذا هو المقبول.
ومما لا ينبني عليه علم: ما نبّه عليه الأستاذ البنا رحمه الله، من كثرة التفريعات للمسائل التي لم تقع، والافتراضات البعيدة عن الوقوع، والدخول في متاهات"أرأيت"لو حدث كذا ... مما لم يقع، ولا ينتظر أن يقع بالفعل في وقت قريب ... مما يدخل فيما سمَّاه بعض الأئمة: فقه"الأرأيتيين"- أي الافتراضيين المكثرين من الافتراضات المتخيلة، وإن كنت أرى أنه ليس كل افتراض متخيل مذمومًا، إذا كان يمكن وقوعه في القريب.
ومن أجل هذا أنكر من أنكر من الصحابة والتابعين وعلماء السلف: كثرة تفريع المسائل، وإيراد الافتراضات التي لم تقع بعد، ويطلبون من تلاميذهم ألا يستعجلوا البلاء قبل نزوله، حتى إذا وقع هيأ الله من يجيب في النازلة على قدر حجمها وأثرها، مراعيًا مكانها وزمانها وحالها، أو حال الواقعين فيها. وكانوا يسلمون هؤلاء"الأرأيتيين"، ينسبونهم إلى قول أحدهم لمن يسأله:"أرأيت لو حدث كذا أو كذا، ماذا سيكون الحكم؟"
وذكر القاضي عياض في"ترتيب المدارك"أن رجلًا من العراق سأل الإمام مالكًا رضي الله عنه عن رجل وطئ دجاجة ميتة، فخرجت منها بيضة فأفقست البيضة عنده عن فرخ: أيأكله؟ ... فقال مالك: سل عما يكون ودع ما لا يكون!
وسأل آخر نحو هذا، فلم يجبه، فقال له: لم لا تجيبني يا أبا عبد الله فقال له: لو سألت عما تنتفع به أجبتك!! (1) .
قال الإمام ابن رجب في"جامع العلوم والحكم":
"ولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن"
(1) "ترتيب المدارك" (1/ 150، 151) .