ومن ركائز هذا الفقه"فقه الاختلاف": أنه لا يعتبر كل اختلاف مذمومًا ومحظورًا، فهناك من الاختلاف ما هو سائغ مشروع، ومن الاختلاف ما هو مردود وممنوع.
والتمييز بين النوعين مطلوب، بل واجب، حتى لا يخلط الجهال بين ما يقبل من الخلاف وما لا يقبل، وما له مساغ في النظر الشرعي، وما ليس له مساغ ولا قبول بحال.
فمن الاختلاف المقبول والسائغ والمشروع"اختلاف التنوع"واختلاف التنوع يتسق مع ظاهرة كونية عامة أشرنا إليها عند ما تحدثنا عن فكرة:"أن الاختلاف ضرورة"، وقد بيَّنا هناك أنه ضرورة دينية ولغوية وبشرية وكونية.
وأشرنا في الضرورة الكونية إلى أن الكون مؤسس على ظاهرة"اختلاف الألوان"المبثوثة في القرآن الكريم في سياقات شتى، مثل قوله تعالى: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [النحل: 13] .
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 27، 28] .
فهذه الآيات وأمثالها في كتاب الله تتحدث عن ظاهرة"التنوع"المعبر عنها باختلاف الألوان.
واختلاف الألوان يعطي غنى وثراء وخصوبة وجمالًا، بخلاف اللون الواحد، الذي تمله العين والنفس لتكراره واستمراره في شكل واحد لا يتجدد ولا يتطور، ولا يتغير كما أن تلاقح الألوان أو الأنواع وتبادلها وتكاملها ينتج ألوانًا وأنواعًا جديدة، تثرى بها الحياة.