وقال تعالى عن اليهود الذين حرّفوا الكلم عن مواضعه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 46] .
فهذا الاستثناء يمثل بقايا الخير في المجتمعات، التي لا تخلو من عنصر صالح أو عضو صالح في الجسم الفاسد. كما حكى لنا القرآن قصة أصحاب الجنة، وحبهم للمال، وغلبة الشح عليهم، حتى ضيعوا حقوق المساكين من ثمار جنتهم: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ. فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ. أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ. فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ. وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ. فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ. قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [القلم: 19 - 29] .
وهنا تجد القرآن يبرز لنا هذه الشخصية الخيرة لواحد منهم هو أوسطهم وأعدلهم وخيرهم يحذرهم وينصح لهم، ولكنهم لم ينتصحوا، ولم يراجعوا أنفسهم إلا بعد أن فات الأوان، ونزل العقاب الإلهي بجنتهم.
ومن الأئمة الذين أرى في نهجهم مثلًا يحتذى في العدل والإنصاف مع المخالفين والموالين: الإمام الحافظ الذهبي رحمه الله، كما يتجلى ذلك بوضوح في كتبه التاريخية، مثل:"تذكرة الحفاظ"، وكما في كتابه القيم"سير أعلام النبلاء" (1) .
فكثيرًا ما تراه يعلق بكلمات دالة، تعتبر غاية في الإنصاف، وذلك بالنسبة لمن يخالفه في المذهب والمشرب. ويعقب أحيانًا على من يستخف أو يتطاول
(1) وأنا أخالف هنا ما قاله العلامة الشافعي تاج الدين السبكي في قاعدته في المؤرخين حين اتهم الذهبي بأنه يتحيز للحنابلة وينوه بهم؛ لأنهم على مشربه ومذهبه، ولا يفعل مثل ذلك مع الأشاعرة ولا أصحاب المذاهب الأخرى. وأرى أن السبكي قد تحامل في ذلك على رجل شهد له الجميع بالإنصاف. وكتبه شاهدة على ذلك وقد تجلّى ذلك في موقفهما من إمام الحرمين، كما بيت ذلك في رسالتي:"إمام الحرمين الجويني بين الحافظين الذهبي والسبكي".