فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 305

خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [الأعراف: 185] ، يشمل كل علم ظهر في الوجود من معقول أو منقول، مكتسب أو موهوب، وأشباهها من الآيات.

ويزعم الفلاسفة أن حقيقة الفلسفة إنما هي النظر في الموجودات على الإطلاق، من حيث تدل على صانعها، ومعلوم طلب النظر في الدلائل والمخلوقات. فهذه وجوه تدل على عموم الاستحسان في كل علم على الإطلاق والعموم.

فالجواب عن الأول: أن عموم الطلب مخصوص، وإطلاقه مقيد، بما تقدم من الأدلة. والذي يوضحه أمران:

أحدهما: أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين لم يخوضوا في هذه الأشياء التي ليس تحتها عمل، مع أنهم كانوا أعلم بمعنى العلم المطلوب، بل قد عدّ عمر ذلك في نحو: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31] من التكلف الذي نهي عنه.

وتأديبه ضبيعًا ظاهر فيما نحن فيه، مع أنه لم ينكر عليه. ولم يفعلوا ذلك إلا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخض في شيء من ذلك، ولو كان، لنقل. لكنه لم ينقل، فدل على عدمه.

والثاني: ما ثبت في كتاب"المقاصد"أن هذه الشريعة أمية، لأمة أمية (1) ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: «نحن أمة أمية لَا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا» (2) إلى نظائر ذلك. والمسألة مبسوطة هنالك، والحمد لله.

وعن الثاني: أنَّا لا نسلم ذلك على الإطلاق، وإنما فرض الكفاية رد كل فاسد وإبطاله، علم ذلك الفاسد أو جهل، إلا أنه لا بد من علم أنه فاسد. والشرع متكفل بذلك. والبرهان على ذلك أن موسى - عليه السلام - لم يعلم علم السحر الذي جاء به السحرة، مع أنه بطل على يديه بأمر هو أقوى من السحر، وهو

(1) ناقش العلامة ابنُ عاشور في تفسيره الشاطبِيَّ في مسألة"أمية الشريعة"و"أمية الأمة"بما لا يتسع المجال لذكره هنا، إنما أردنا التحفظ على هذه الفكرة، لما لها من إيحاءات سلبية، مضادة لما جاء به القرآن من تأييد للعلم والمعرفة، كما بينا ذلك في كتابنا:"العقل والعلم في القرآن الكريم"برغم أننا نؤيد الشاطبي - رضي الله عنه - في أصل القاعدة"ما لا ينبني عليه عمل لا يحسن الخوض فيه"

(2) متفق عليه عن ابن عمر."اللؤلؤ والمرجان" [655] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت