وإذا كان من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ما روي معلقًا بغير إسناد، ومنها ما روي بأسانيد منقطعة أو واهية، بل وموضوعة مكذوبة، رغم تشديده - صلى الله عليه وسلم - وتحذيره البالغ من الكذب عليه. فلا عجب أن يوجد مثل ذلك في أخبارِ مَنْ دونه مِن صاحبٍ وتابعٍ ومن بعدهم.
على أن من العلماء من قد يدقق في رواية الأحاديث النبوية المرفوعة، ولكنه يتساهل غاية التساهل في الرواية عن سلف الأمة وعلمائها وصلحائها.
وهذا يوجد كثيرًا في كتب الرقائق والتصوف وغيرها.
ومن ثم يلزم الباحث عن الحق فيما يروى عن السلف - رضي الله عنهم - أن يستوثق أولًا من ثبوت المروي عنهم من ناحية سنده.
ونحب أن نشير إلى أن ثبوت المروي لا يكون بكثرة ذكره في بعض الكتب، كما يفعل أكثر المعاصرين. فالتوثيق عندهم أن ينقلوا النص أو الرواية من أكثرَ من كتاب، مشيرين إلى الجزء والصفحة والطبعة. ولكن هذا لا يغني ما لم يعرف السند وقيمته، فهذا هو المعيار الوحيد لثبوت الأخبار لدى المحققين من علماء المسلمين.
فإذا ثبت الخبر، وصح سنده، كان البحث في دلالته ومعناه.
وإذا ثبت نفي العصمة عن كل أحد غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمعنى ذلك: أن من عداه من صحابة أو تابعين أو أتباع تابعين، أو من بعدهم، من العلماء والأئمة في كل الاختصاصات: في التفسير أو الحديث أو السيرة أو الكلام، أو الفقه أو الأصول أو التصوف، كل هؤلاء بشر مجتهدون في علومهم وتخصصاتهم غير معصومين، فكل ما قالوه أو انتهوا إليه من آراء واجتهادات .. قابلةٌ للنقد، محتملةٌ للنقاش. وإن كان له صلة بفهم الدين وتفسيره وشرحه والاستنباط منه، ولكنه في جملته عمل العقل البشري الذي قد يصيب وقد يخطئ، وقد يهتدي، وقد يضل.