الثانية: أن يعلم إجمالًا، أن لإمامه أو لمن خالف العمل بهذا الحديث أدلة، يجوز معها المخالفة أو يقوى، فلا يتعين عليه، بل لا يترجح مخالفة إمامه، وله تقليد القائل بالحديث من المجتهدين.
الثالثة: أن لا يعلم الحجة المقتضية لمخالفة الحديث إجمالًا ولا تفصيلًا، ولكن يجوز أن يكون للمخالف حجة تسوغ معها المخالفة، وأن لا يكون، لكونه لم يجمع أدلة تلك المسألة نقلًا واستدلالًا، فالأولى بهذا تتبع المآخذ، فإذا لم يتبيّن له ما يعارض الحديث من أدلة القرآن والسنة، فالعمل بالحديث أولى تقليدًا لمن عمل به، وله البناء على تقليد إمامه (1) . انتهى كلام الزركشي.
وقد سئل شيخ الإسلام - رحمه الله: عن رجل تفقه في مذهب من المذاهب الأربعة وتبصر فيه واشتغل بعده بالحديث، فرأى أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخًا ولا مخصصًا ولا معارضًا، وذلك المذهب مخالف لها: فهل يجوز له العمل بذلك المذهب أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالأحاديث ويخالف مذهبه؟
فأجاب:
الحمد لله. قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله - سبحانه وتعالى - فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها يقول: أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.
واتفقوا على أنه ليس أحد معصومًا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(1) "البحر المحيط" (6/ 293 - 296) .