فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 305

وهؤلاء الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه، وذلك هو الواجب عليهم، فقال أبو حنيفة: هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه، ولهذا اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بمالك فسأله عن مسألة الصاع، وصدقة الخضروات، ومسألة الأجناس، فأخبره مالك بما تدل عليه السنة في ذلك، فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت.

ومالك كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فأعرضوا قولي على الكتاب والسنة، أو كلامًا هذا معناه.

والشافعي كان يقول: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي. وفي"مختصر"المزني لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه قال: مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء.

والإمام أحمد كان يقول: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكًا ولا الشافعي ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا. وكان يقول: من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال، وقال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا.

وقد ثبت في"الصحيح"عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» ، ولازم ذلك أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرًا، فيكون التفقه في الدين فرضًا. والتفقه في الدين: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية. فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهًا في الدين، لكن من الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته ... ويلزمه ما يقدر عليه، وأما القادر على الاستدلال، فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقًا، وقيل: يجوز مطلقًا، وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال.

والاجتهاد ليس هو أمرًا واحدًا لا يقبل التجزئ والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهدًا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة، وكل أحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت