وإذا كان كل من عدا الرسول المعصوم المؤيد بالوحي: بشرًا يصيب ويخطئ، فإن من حقنا - بل من واجبنا - النظر في تراث أسلافنا العظام من مفسرين ومحدثين وفقهاء ومتكلمين ومتصوفة - فضلًا عن غيرهم من الفلاسفة والأدباء والمؤرخين - لنعرف ما فيها مما يوافق محكمات القرآن والسنة الصحيحة، وما لا يتفق معها، مما يحمل قصور البشر، وأهواء البشر، وأوهام البشر، وتأثر البشر بالبيئة والعصر والمحيط، بحيث نميز بين الإلهي والبشري، بين الثابت والمتغير، وبين ما يمكن قبوله، وما يجب رده.
وإذا كان عرض ما جاء عن السلف على الكتاب والسنة واجبًا، فعرض ما جاء عن الخلف أوجب.
وبهذا نعلم أن تقويم تراثنا، ووزنه بميزان الله ورسوله، فرض علينا، لننتفع بصوابه، ونتوقى خطأه، ونأخذ بخير ما فيه، وقد وصف الله المهتدين العقلاء من عباده بقوله: {فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17 - 18] ، فهؤلاء الذين هداهم الله من أصحاب العقول لا يكتفون باتباع الحسن من القول، بل يتبعون أحسنه وأفضله.
ونحن نعلم أن تراثنا الديني خاصة تتقاسمه طوائف أربع، لكل منها اتجاهه ومنهجه.
فطائفة الفقهاء، الذين يعنون باستنباط الأحكام الفرعية الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وفق أصول معينة ارتضوها. وإليهم ينتسب أصحاب المذاهب المتبوعة.