فليس يعتقد - إن كان معه مُسكة من العقل، وتشوف إلى مقدمات من الفضل - أن إمامه تجب له العصمة عن الزلل والخطل، بل لا معصوم إلا الرسل والأنبياء فيما يتعلق بتبليغ الرسالة والإنباء. فما من مسألة تتفق إلا والمقلد يجوز أن يكون إمامه زالًّا في معاينها، وظهور الحق مع مخالفة فيها، وإنما الذي غلب على وهمه، على مبلغ علمه وفهمه: أن إمامه بالإصابة في معظم
المسائل جدير، فهذا غاية ما يدور في الضمير (1) .
فهذا النظر الذي ذكره إمام الحرمين في تعيين المقلّد لمقلَّده لا يتأتى للعامي المحض، بل لمن كان من طلبة العلم، وعنده نوع من الأهلية للاختيار والترجيح.
قال الإمام الشوكاني في"السيل الجرار":
وقد أوجب جماعة تقليد إمام معين، ورجح هذا القول إلكيا الهراسي، وقال جماعة: ليس بواجب، ورجح هذا القول ابن بَرهان والنووي.
ويا لله العجب من عالم ينسب إلى أهل العلم يحكم بأولوية التقليد لمعين جزافًا، بلا برهان من عقل ولا شرع.
وأعجب من هذا من يوجب ذلك، فإنه من التقوّل على الله بما لم يقل، ومن إيجاب البدع التي لم تكن في عصر الصحابة ولا عصر التابعين ولا تابعيهم.
وأعجب من هذا كله قول ابن المنيِّر:"إن الدليل يقتضي التزام مذهب معيّن بعد الأربعة لا قبلهم"، فيت شعري ما هو هذا الدليل وقد صان الله أدلة الشرع أن تدل على هذا، بل وصان علماء الدين من المجتهدين أن يقولوا بمثل هذا التفصيل العليل.
ولعله قولٌ لبعض المقلدة، فظنّه هذا القائل دليلًا (2) . انتهى كلام الشوكاني.
ومن المهم أن تعلم أن تقليد العامي لأحد الأئمة إنما هو أمر جائز
(1) "غياث الأمم"بتحقيق د/عبد العظيم الديب (ص: 296، 297) .
(2) "السيل الجرار"للشوكاني (1/ 22) .