فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 305

ولا كثرت الوقائع عليهم، حتى عرف مذهب كل واحد منهم في كل الوقائع أو في أكثرها، وكان الذي يستفتي الشافعي مثلًا لا علم له بما يقول المفتي؛ لأنه لم يشتهر مذهبه في تلك الواقعة، أو لأنها ما وقعت له قبل ذلك، فلا يتصور أن يعضده إلا سر خاص، وأما بعد أن فهمت المذاهب ودونت واشتهرت، وعرف المرخِّص من المشدِّد في كل واقعة، فلا ينتقل المستفتي - والحالة هذه - من مذهب إلى مذهب إلا ركونًا إلى الانحلال والاستسهال.

وحكى الرافعي عن أبي الفتح الهروي أحد أصحاب الإمام: أن مذهب عامة أصحابنا أن العامي لا مذهب له (1) . انتهى كلام الزركشي.

ورأيي ترجيح هذا القول، فإن حقيقة"التمذهب"إنما تكون لأهل العلم، الذين يختارون مذهبًا على آخر، لأسباب علمية يعرفونها، معظمها يتعلق بقوة أصول المذهب في نظر من التزمه، فهذا يرى أن أصول مالك أقوى من أصول الشافعي، وآخر يرى العكس، وثالث يرى أن أصول الحنابلة أقوى عنده ... إلخ. أو أن هذا يميل إلى الأثر، والآخر يميل إلى الرأي. أو أن في إمامه مزية ليس عند غيره، كأن يكون من قريش أو من آل البيت ... إلخ. وهذ كله لا يتصور أن يتحقق لدى العامي. ولهذا قالوا: لا مذهب له.

قال إمام الحرمين في"غياث الأمم": على المقلد ضرب من النظر في تعيين مقلده، وليس له أن يقلد من شاء من المفتين، مع تباين المذاهب، وتباعد الآراء والمطالب، وكيف يسوغ التخيير

بين الأخذ بمذهب التحريم ومذهب التحليل؟ ولا يتصور المصير إلى هذه السبيل، مع تفاوت مناصب المفتين وأهل التحصيل. وإذا كان يتعين عليه ذلك، فيتمهل الناظر هنالك.

فمن عنَّ له من المقلدة أن مذهب الشافعي - رضي الله عنه - وأرضاه أرجح، ومسلكه أوضح، لأمور كلية اعتقدها، وقضية لائقة بمقدر بصيرته اعتمدها،

(1) "البحر المحيط"للزركشي (7/ 319، 320) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت