فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 305

ومبنى هذه الحقيقة على أن الإسلام قد شرع الاجتهاد، وجعل للمجتهد أجرين إذا أصاب، وأجرًا إذا أخطأ، وأقر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على الاجتهاد في فهم ما أمرهم به من صلاة العصر في بني قريظة، ما بين حرفي يتقيد بلفظ النص، وآخر ينظر إلى مقصد النص وروحه. وأقر معاذًا رضي الله عنه على أنه يعمل باجتهاده لا يألو، فيما لم يجد فيه كتابًا ولا

سنة، وذلك حين بعثه إلى اليمن.

ومقتضى هذا أن تختلف الأحكام الفرعية باختلاف الاجتهادات والأفهام - ضرورة - ولا يمكن أن تتحد في هذه الفرعيات الآراءُ والمذاهب، لأسباب عدة، ذكر الأستاذ البنا رحمه الله أهمها وأبرزها في رسالة"دعوتنا"، وخلاصة هذه الأسباب:

1 -اختلاف العقول في قوة الاستنباط، وإدراك الدلائل، والغوص على أعماق المعاني، وارتباط الحقائق بعضها ببعض. والدين آيات وأحاديث ونصوص، يفسرها العقل والرأي في حدود اللغة وقوانينها، والناس في ذلك جدّ متفاوتين، فلا بد من خلاف.

2 -ومنها: سعة العلم وضيقه، وأن هذا بلغه ما لم يبلغ ذلك، والآخر شأنه كذلك. وقد قال الإمام مالك لأبي جعفر المنصور حين أراد أن يحمل الناس على العمل بالموطأ:"إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وعند كل قوم علم، فإذا حملتهم على رأي واحد تكون فتنة".

3 -ومنها: اختلاف البيئات، ولهذا رأينا فقه العراقيين يختلف عن فقه الحجازيين، بل رأينا الفقيه الواحد تختلف به البيئة فيختلف رأيه، حتى لنرى الإمام الشافعي يفتي بالقديم في العراق، ويفتي بالجديد في مصر، وهو في كليهما آخذ بما استبان له، وما اتضح عنده، ولا يعدو أن يتحرى الحق في كليهما.

4 -ومنها: اختلاف الاطمنان القلبي إلى الرواية عند التلقي لها. فبينا نجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت