فيه، ولا أن يؤدي إلى خصومة أو بغضاء. وهذا ما كان عليه سلف الأمة، وما مضى عليه كبار الأئمة، فقد اختلفت آراؤهم، ولم تختلف قلوبهم.
نقل الحافظ الذهبي في"سير أعلام النبلاء" (1) في ترجمة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، عن الإمام الحافظ أبي موسى يُونس بن عبد الأعلى الصَّدفي المصري، أحد أصحاب الإمام الشافعي أنه قال:"ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولَقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟!"قال الذهبي:"هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام، وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون".
وفي"سير أعلام النبلاء"أيضًا (2) في ترجمة الإمام إسحاق بن راهويه:"قال أحمد بن حفص السعدي شيخ ابن عدي: سمعت أحمد بن حنبل - الإمام - يقول: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا".
وروى الحافظ الفقيه المؤرخ الناقد الإمام أبو عمر بن عبد البر في"جامع بيان العلم وفضله" (3) ، في باب"إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة"، عن عبد الله بن محمد - هو أبو الوليد الفرضي - قال: أخبرنا يوسف بن أحمد - هو مسند مكة ابن الدخيل الصيدلاني - إجازة، عن أبي جعفر العقيلي، ثنا محمد بن عتاب بن المربع - هو أبو بكر الأعين - قال: سمعت العباس بن عبد العظيم العنبري أخبرني، قال: كنت عند أحمد بن حنبل، وجاءه علي بن المديني راكبًا على دابة، قال: فتناظرا في الشهادة، وارتفعت أصواتهما، حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان أحمد يرى الشهادة، وعلي يأبى ويدفع، فلما أراد عليّ الانصراف قام أحمد فأخذ بركابه" (4) ."
(1) سير أعلام النبلاء (16/ 10) .
(2) المصدر السابق (11/ 370) .
(3) "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 968) الطبعة الجديدة المحققة.
(4) قال ابن عبد البر بعد نقل هذا الخبر:"كان أحمد بن حنبل رحمه الله يرى الشهادة بالجنة لمن شهد بدرًا والحديبية، أو لمن جاء فيه أثر مرفوع، على ما كان منهم من سفك دماء بعضهم بعضًا، وكان علي بن المديني يأبى ذلك، ولا يصحح في ذلك أثرًا". انتهى.
وهذه العبارة ساقطة من الطبعة القديمة غير المحققة.