فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 305

ومن ركائز فقه الاختلاف أو فقه الائتلاف: الاجتناب والحذر من المراء المذموم واللدد في الخصومة.

فالإسلام - وإن أمر بالجدال بالتي هي أحسن - ذم المراء، الذي يراد منه الغلبة على الخصم بأي طريق، دون التزام بمنطق، ولا خضوع لميزان بين الطرفين.

وهذا ما ذم الله به الممارين من أهل الشرك والكفر، بمثل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج: 8، 9] .

{وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف: 56] .

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] .

فهذا المماري المتجبر يزعم أنه يحيي ويميت؛ لأنه يحكم على بعض الناس بالموت، ثم يعفو عنهم فيقول: قد أحييتهم! ويحكم على آخرين وينفذ الحكم. فيقول: قد أمتهم! فهو يفسر الإحياء والإماتة كما يشاء، وليس هذا هو التفسير الذي يعرفه الناس، والذي قصده إبراهيم - عليه السلام - بقوله: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] ؛ ولذا لم يناقشه إبراهيم في ذلك، بل انتقل إلى برهان آخر لا يمكنه أن يماري فيه، إذ قال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258] .

ومن هنا جاء في الحديث ذم المراء، والترغيب في البعد عنه.

فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» (1) .

(1) رواه أبو داود في"الأدب" [4800] وحسنه في"صحيح الجامع الصغير [1464] ، ومعنى زعيم، أي: كفيل، والربض: الأسفل. والمراد بالبيت: القصر."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت