وعن أبي أمامة أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ، ثم تلا: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] (1) .
وهذا أمر ملاحظ: أن القوم إذا حرموا التوفيق، تركوا العمل، وغرقوا في الجدل، وبخاصة أن هذا موافق لطبيعة الإنسان التي لم يهذبها الإيمان: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54] .
ونحن نشاهد على الساحة الإسلامية أناسًا لا همَّ لهم إلا الجدل في كل شيء، وليس لديهم أدنى استعداد لأن يعدلوا عن أي رأي من آرائهم، وإنما يريدون للآخرين أن يتبعوهم فيما يقولون. فهم على حق دائمًا، وغيرهم على باطل أبدًا. منهم من يجادل في كلمات أعطاها اصلطلاحًا خاصًّا، خالفه فيه غيره، ويريد أن يلزم الآخرين برأيه، مع أن علماءنا قالوا: لا مشاحّة في الاصطلاح.
ومنهم من يذم التعصب للمذاهب، وهو يقيم مذهبًا جديدًا، يقاتل الآخرين عليه!
ومن يحرم التقليد ويطلب من الناس أن يقلدوه! أو يمنع تقليد القدامى وهو يقلد بعض المعاصرين!
ومن يقيم معركة من أجل مسائل فرعية، وجزئية، اختلف السلف فيها وفي أمثالها، ولم تعكر لعلاقاتهم صفوًا.
إن آفتهم هي المراء، أو اللدد في الخصومة، وهو أمر ذمه الله ورسوله.
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أبغض الرجال إلى الله الْألد الخصِم» (2) ، والألدّ: الشديد الخصومة، مأخوذ من لدلدَي الوادي، أي: جانبيه؛ لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر.
(1) رواه الترمذي في"أبواب تفسير القرآن" [3250] ، وقال: حسن صحيح.
(2) متفق عليه"اللؤلؤ والمرجان" [1707] .