في سياق ترجمة ابن قدامة المقدسي الحنبلي صاحب كتاب"المغني"يقول أبو شامة فيه:"كان إمامًا علمًا في العلم والعمل"- مع ما بينهما من خلاف في مسائل العقيدة - إذ كان أبو شامة يستنكر أقوال الحنابلة في الصفات ويرى فيها نوعًا من التشبيه أو التجسيم، ويتابع أبو شامة فيقول:
"لكن كلامه في العقائد على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح له الأمر فيها على جلالته في العلم ومعرفته بمعاني الأخبار"، ويعقب عليه الذهبي بقوله: وهو - أي ابن قدامة - وأمثاله متعجِّب منكم مع علمكم وذكائكم كيف قلتم ... ! وكذا كل فرقة تتعجب من الأخرى، ولا عجب في ذلك، ونرجو لكل من بذل جهده في تطلب الحق أن يغفر له من هذه الأمة المرحومة" (1) ."
وفي ترجمة أبي حامد الغزالي أورد الذهبي أقوال الجارحين، والمعدلين، واختلاف العلماء في تقويم الرجل وتقويم كتبه، إلى أن ختم ذلك بقوله:"وما زال العلماء يختلفون، ويتكلم العالم في العالم باجتهاده، وكل منهم معذور مأجور، ومن عاند أو خرق الإجماع، فهو مأزور، وإلى الله ترجع الأمور" (2) .
إبقاء المرء لنفسه من احتمال خطئه تحدّ من شدته، وتفتح ذهنه للوصول إلى صواب المخالف، أو التوثق من صواب رأيه هو.
أصل العذر بالاجتهاد من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (3) .
الإنصاف يستلزم احترام عقول الناس وأفهامهم، وعدم فرض وصاية على
(1) "نزهة الفضلاء" [1550] ،"السير" (22/ 165 - 173) من"ترجمة ابن قدامة" (ت: 620 ه) .
(2) "نزهة الفضلاء" [1356] ،"السير" (19/ 322 - 346) من"ترجمة الغزالي" (ت: 505 ه) .
(3) صحيح"البخاري، كتاب"الاعتصام"- باب (21) الحديث [7352] ."