فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 305

وإذا كان الإسلام ينهى عن سب الأشياء مثل الحمى والريح وغيرهما. وعن سب الدابة وسب الديك وغير ذلك، فأولى ثم أولى: أن ينهى عن سب العلماء. ولا يسبّ العلماء إلا سفيه.

وللسلف الصالح من أمتنا هَدْي معلوم، يُقتدى به فيهتدي، يطلقون عليه"أدب الأكابر"، ومما يحكونه من أدب الأكابر: ما يروى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفن في حجرتها، ثم توفي أبوها الخليفة الأولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ودفن إلى جوار نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم. وكانت عائشة تدخل وتسلم عليهما بغير حجاب ولا نقاب، فهذا زوجها، وهذا أبوها. فلما استشهد عمر بن الخطاب واستأذن عائشة أن يُدفن إلى جوار صاحبيه، وكانت قد ادخرت هذا المكان لنفسها، آثرت به عمر، ودفن إلى جوار الرسول وأبي بكر، وهنا يروون أن عائشة حين كانت تدخل للسلام عليهم تلبس خمارها ونقابها، لوجود قبر عمر بجوار زوجها وأبيها، وعمر ليس محرمًا لها. فتأدبت بأدب المسلمة - وخصوصًا من نساء النبي - إذا لقيت أو كلمت رجلًا أجنبيًّا.

الجميل هنا: أن عمر ليس حيًّا حتى تختمر من أجله أو تنتقب، بل هو ميت دفين في قبره. ولكنها - لفرط حساسيتها ويقظة ضميرها - تعاملت معه، كما تتعامل مع الأحياء سواء بسواء.

ومثل هذا الموقف ما يحكى عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه، وذلك عندما زار بغداد، وفيها قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، فرووا عن الشافعي أنه صلى الصبح هناك ولم يقنت في صلاة الصبح، على خلاف مذهبه، تأدبًا مع الإمام أبي حنيفة الذي كان لا يرى القنوت في صلاة الصبح.

فهكذا تعامل الشافعي مع أبي حنيفة كأنه حي، ورعى خاطره وترك الخلاف معه في هذا الأمر الذي لا ينبغي للعلماء أن يتشددوا في مثله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت