يحمل الناس على"موطئه"في مثل هذه المسائل، فأبى ذلك وقال: إن أصحاب رسول الله تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم بما بلغهم. وفي رواية:"فإذا حملتهم على أمر واحد تكون فتنة"، ومن هنا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة (1) .
وفي موضع آخر سئل عمن قد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد، فهل ينكر عليه أو يهجر؟ وكذلك يعمل بأحد القولين؟
فأجاب رضي الله عنه: الحمد لله، مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه، ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه، فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به، وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين" (2) ."
ولا غرو أن جعل الحافظ السيوطي من"القواعد الشرعية"التي ينبغي أن تراعى في الفتوى والقضاء، هذه القاعدة الخامسة والثلاثلين: لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المجمع عليه (3) .
ومن تطبيقات هذه القاعدة: ما ذكره شيخ الجزيرة محمد بن عبد الوهاب عندما تكلم عن"التوسل"، وهو الأمر الذي ينصب أتباعه من أجله المعارك مع المخالفين، ولكن الشيخ رحمه الله تناوله بهدوء أهل العلم ورزانتهم فقال:"فكون بعضٍ يرخص بالتوسل بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه. فهذه المسألة من مسائل الفقه. ولو كان الصواب عندنا"
(1) "مجموع الفتاوى" (30/ 79، 80) .
(2) "مجموع الفتاوى" (20/ 257) .
(3) "الأشباه والنظائر"للسيوطي (175) ط: عيسى الحلبي.