فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 305

بالدليل متى صح عنده صلاح من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي - إن كان من أهل العلم - حتى يبلغ درجة النظر)، فلم يجعل التقليد أو التمذهب واجبًا، ولم يجعله حرامًا، بل جعله مباحًا ومشروعًا، ولكن ليس لكل الناس أيضًا. إنما هو مشروع (لكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الشرعية) أي للعامي المحض، وما يشبهه، ممن ليس لديه أهلية النظر في أدلة الأحكام، أي القدرة على الاستنباط من القرآن والسنة، ومعرفة الإجماع والقياس، والأدلة الأخرى التابعة لهذه الأدلة الأصلية، مثل: الاستصلاح، (أي: الاستدلال بالمصلحة المرسلة) ، والاستحسان، والعرف والاستصحاب، وشرع من قبلنا ... إلخ.

ومن محاسن صياغة الأستاذ البنا لهذا الأصل: أنه لم يعبر عن الموضوع بعبارة"التقليد"، ولكن بعبارة:"الاتباع"، فقال: (أن يتبع إمامًا من أئمة الدين) .

وكلمة الاتباع هنا أولى من كلمة التقليد، والقرآن استعمل كلمة الاتباع فيما يحمد ويشرع، كما في قول إبراهيم لأبيه: {يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم: 43] .

فدلت الآية على أن الجاهل يتبع العالم فيما لا يعلمه بنفسه.

وكذلك نرى في قصة موسى مع العبد الصالح المعروف باسم"الخضر"، فقد قال تعالى عن موسى وفتاه: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا. قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 65، 66] .

فطلب منه موسى - عليهما السلام - أن يأذن له"باتباعه"ليعلمه مما علمه الله. فدل هذا على أن اتباع الأعلم في بعض القضايا ليس بمذموم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت