فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 305

وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها فعارضوا بقول عمر، فتبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه، فألحوا عليه فقال لهم: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن يتبع أم أمر عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس.

ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله، ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمته، وهذا تبديل للدين يشبه ما عاب الله به النصارى في قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم، والحمد لله وحده (1) .

وقال الإمام ابن القيم:

"ليحذر المفتي - الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه - أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده، وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه، وأصح دليلًا، فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه، فيكون خائنًا لله ورسوله وللسائل، وغاشًّا له، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} ، وحرم الجنة على من لقيه وهو غاشّ للإسلام وأهله، والدين النصحية، والغش مضاد للدين، كمضادة الكذب للصدق، والباطل للحق".

قال:"وكثيرًا ما ترد المسألة نعتقد فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده، فنحكي المذهب الراجح ونرجحه ونقول: هذا هو الصواب، وهو أولى أن يؤخذ به، وبالله التوفيق" (2) . انتهى.

ومن الملامح المهمة في كلمات الشيخ البنا - رحمة الله عليه: أنه دعا في

(1) "مجموع الفتاوى" (20/ 210 - 216) .

(2) "إعلام الموقعين" (4/ 177) طبعة السعادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت