فإن لم تكن هذه الألفاظ والمعاني التي نجدها في كثير من كلام هؤلاء تنطعًا، فليس للتنطع حقيقة. والله تعالى أعلم. انتهى (1) .
الفائدة الثانية: أننا بالرجوع إلى الكتاب والسنة الصحيحة، نأخذ الحقائق مصفاة من الشوائب والزوائد والفضول والأباطيل.
فكثير من هذه الشوائب التي لوثت مناهلنا الثقافية، إنما هي من شروح الشارحين، وتعليلات المعين، وتفسيرات المفسرين، الذين يتكلمون على النصوص في ضوء معلومات عصرهم عن الكون والحياة والإنسان والتاريخ، وفي ضوء ثقافتهم الموروثة والمحدودة بحدود البيئة والمكان والزمان والعرف الاجتماعي والوضعي لكل طائفة.
خذ مثلًا قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ} [الشورى: 29] ، وقول بعض المفسرين: إن ضمير التثنية في قوله: {فِيهِمَا} من باب التغليب؛ لأن الدواب إنما تكون في الأرض لا في السماء.
فهذا ما قاله من قاله بمنطق عصره، وحسب علم عصره، والآن نعلم أن احتمال وجود أحياء في العوالم التي فوقنا أمر تؤيده قرائن وأدلة كثيرة.
وكذلك قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] ، وقول بعض المفسرين: إن هذه الكلية"أغلبية"وليست كلية حقيقة؛ لأنه بنى ذلك على ثقافة عصره، ومعلومات عصره، وهذا الازدواج إنما كان معروفًا في الإنسان الذي خلق الله منه الذكر والأنثى، وكذلك الحيوان، وبعض أنواع النبات كالنخيل، ولم يكن يعلم الإنسان في تلك العصور أن كل النباتات تحتوي على تذكير وتأنيث، وأن الكهرباء فيها موجب وسالب، وأن وحدة البناء الكوني، وهي الذرة، تحتوي على شحنة كهربا ية موجبة، وأخرى سالبة: إلكترون وبروتون ... إلخ.
(1) مدارج السالكين (3/ 436 - 439) .