فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 305

ومن دلائل تسامح السلف: أنهم أجازوا ترك بعض السنن والمستحبات في العبادات ونحوها، من أجل تأليف القلوب، وعملًا بالحديث الشريف: «بشروا ولا تنفروا» متفق عليه.

عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بجمع - أي مزدلفة - فلما دخل مسجد منى فقال: كم صلى أمير المؤمنين قالوا: أربعًا، فصلى أربعًا.

قال: فقلنا: ألم تحدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، وأبا بكر صلى ركعتين!

فقال: بلى، وأنا أحدثكم الآن، ولكن عثمان كان إمامًا، فما أخالفه، والخلاف شر (1) .

وروي أن الإمام الشافعي رحمه الله ترك القنوت في صلاة الصبح لما صلى مع جماعة الحنفية في مسجد إمامهم ببغداد، على خلاف مذهبه.

وفسروا ذلك بأنه فعله تأدبًا مع الإمام أبي حنيفة، أو تألفًا لقلوب أتباعه.

وكلاهما من الأدب الرفيع.

وقال ابن عبد البر في"التمهيد": سمعت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم رحمه الله يقول: كان أبو إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم شيخنا يرفع يديه كلما خفض ورفع على حديث ابن عمر في"الموطأ"، وكان أفضل من رأيت وأفقههم وأصحهم علمًا ودينًا.

فقلت له: فلم لا ترفع أنت فنقتدي بك!

قال لي: لا أخالف رواية ابن القاسم؛ لأن الجماعة لدينا اليوم عليها، ومخالفة الجماعة فيما قد أبيح لنا ليس من شيم الأئمة (2) .

(1) "السنن الكبرى للبيهقي" (3/ 144) .

(2) "فتح البر في الترتيب الفقهي لابن عبد البر" (5/ 544) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت