ومعنى"التسامح في المختلف فيه": أن ننظر بصدر واسع، ومن أفق رحب، إلى المسائل التي اختلف فيها الأئمة، وتعددت فيها مذاهب الأمة، فلا نتعصب لرأي ضد رأي، ولا مذهب ضد مذهب، ولا لإمام ضد إمام آخر، باعتبار أنهم كلهم على هدى، وجميعهم على خير، وكل منهم بذل وسعه في طلب الحق، مبتغيًا وجه الله تعالى ورضاه، فيما نعلمه عنهم، ولا نعلم عنهم
جميعًا إلا خيرًا.
وإذا آمنا بما ذكرناه من مبادئ وركائز: من حيث إن الاختلاف ضرورة لا بد منها، وأنه رحمة وتوسعة للأمة، واحتمال صواب رأي المخالف، وإمكان تعدد الصواب، وعدم إمكان جمع الناس على رأي واحد، وعدم جدواه أيضًا، وأن المخطئ في اجتهاده من أهل العلم مأجور على خطئه أجرًا واحدًا، وأنه لا إنكار في المسائل الاجتهادية أو الخلافية. فهذا كله وغيره يؤدي إلى نتيجة مهمة، وهي أن يسامح بعضنا بعضًا، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.
ولا يضيق بهذا الاختلاف أو ينظر إلى من خالفه نظرة عداوة أو ريبة وتنقص، إلا من ضاق صدره، وضاق أفقه، ولم يستوعب المعاني السالفة، التي يتبناها وكشفنا الغطاء عنها، ولم يحط خبرًا بما كان عليه سلف الأمة في خير قرونها، ومن بعدهم من أعلام العلماء، وأفذاذ الفقهاء، ممن أعز الله بهم الدين، ونفع بعلومهم المسلمين. فلم يكن الاختلاف بينهم في الآراء والفروع
ليفرق جماعتهم، أو ليهدم أخوتهم، أو ليفتح ثغرة للشيطان ليوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما يوقعها بين أهل الخمر والميسر.
والتسامح مع المخالف، والتماس العذر له، وأكبر من ذلك: احترام رأيه واجتهاده، هو الشائع بين أئمة السلف رضي الله عنهم. لهذا لم يكن يعيب بعضهم على بعض، بل كان بعضهم يعذر بعضًا، ويقدر بعضهم بعضًا، ويحب بعضهم بعضًا، ويصلي بعضهم خلف بعض، بل قد يدل أحدهم مستفتيه أن يذهب إلى عالم آخر، أو حلقة أخرى تيسر له، وتوسع عليه، بل قد
يقلد مذهب المخالف عند الحاجة.