وإذا كان الاختلاف ضرورة ورحمة وتوسعة، فإن محاولة رفعه ومحوه ليست في صلاح الأمة من ناحية؛ لأنها تحرمها من ثراء التنوع، ومن نعمة الاختيار، وليست ممكنة من ناحية أخرى؛ لأنها منافية لسنة الله تعالى في اختلاف خلقه. كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119] ، قال بعض المفسرين: أي وللاختلاف خلقهم؛ لأنه خلق لكل منهم عقلًا يفكر به، وإرادة يرجح بها، فلا بد أن تختلف العقول في تفكيرها، والإرادات في ميولها واختياراتها.
وقد رأينا بالتجربة أن محاولة رفع الخلاف - التي يحاولها أصحاب مدرسة"الرأي الواحد"- تزيد الخلاف ولا تنقصه، كما وجدنا الذين يعملون على"محو المذاهب"لم يزيدوا على أن كانوا هم مذهبًا خامسًا، أو مذهبًا تاسعًا!
ولو كان الخلاف شرًّا، ما أقر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في نفيرهم إلى بني قريظة أن يختلفوا، ولعنف أحد الفريقين وخطأه، ولكنه لم يفعل، فدل على مشروعية الاختلاف.
ولو كان الاختلاف كله شرًّا، ما أجاز لأصحابه الذين بعثهم إلى البلدان المختلفة أن يفتوا الناس باجتهادهم وآراهم، مثل علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وغيرهما. كما دل على ذلك حديث معاذ فيما لم يجد فيه كتابًا ولا سنة: قال: أجتهد رأيي ولا آلو.
وسواء صح هذا الحديث أم لم يصح، فإن البعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد أن يفتي وأن يقضي برأيه، إذ المسافات كانت بعيدة، وإرجاء كل فتوى حتى يرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم غير مقبول ولا معقول.