فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 305

وله وقائع ومواقف كثيرة من هذا النوع. كلها ضد التكلف وروى عنه البخاري في"صحيحه": نهينا عن التكلف (1) .

وهذا الأصل مقتبس بوضوح وصراحة من"الموافقات"للإمام أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله. ويبدو أن الأستاذ البنا - عليه رحمة الله - قد قرأ"الموافقات"وهضمها جيدًا، واستفاد منها في هذه الأصول في أكثر من موضع، كما أشرنا إلى ذلك في حديثنا عن الأصل الخامس المتعلق ب"السياسة الشرعية"، وأن الأصل في العبادات التعبد والالتزام بالنص دون النظر إلى العلل والمعاني، كما أن الأصل في العادات والمعاملات النظر إلى العلل والمقاصد.

ولا غرو أن نعود إلى"الموافقات"لنأخذ منها الأدلة التي ذكرها الشاطبي وفصلها، لتقعيد هذه القاعدة، وتأصيل هذا الأصل.

يقول رحمه الله في"المقدمة الخامسة":

كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوص فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعًا.

والدليل على ذلك استقراء الشريعة: فإنا رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد عملًا مكلفًا به. ففي القرآن الكريم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] ، فوقع الجواب بما يتعلق به العمل، إعراضًا عما قصده السائل من السؤال عن الهلال: لِمَ يبدو في أول الشهر دقيقًا كالخيط ثم يمتلئ حتى يصير بدرًا ثم يعود إلى حالته الأولى ثم قال: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة: 189] ، بناءً على تأويل من تأول أن الآية كلها نزلت في هذا المعنى، فكان من جملة الجواب: أن هذا السؤال - في التمثيل - إتيان للبيوت من ظهورها، والبر إنما هو التقوى لا العلم بهذه الأمور التي لا تفيد نفعًا في التكليف ولا تجر إليه.

(1) رواه البخاري في كتاب"الاعتصام بالكتاب والسنة"- باب"ما يكره من كثرة السؤال، ومن تكلف ما لا يعنيه"، الحديث [7293] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت