ينفعه من علم أو عمل صالح في الدنيا والآخرة. ولا سيما أن الله تعالى سائل كل امرئ يوم القيامة عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه، فعليه أن يضن بعمره النفيس أن يضيع إلا فيما ينفع.
ولا نعجب إذا جعل الشيخ البنا من"وصاياه العشر"التي أوصاها بها إخوانه وأبناءه: الواجبات أكثر من الأوقات، فعاون غيرك على الانتفاع بوقته، وإذا كانت لك حاجة فأوجز في قضائها.
وكان دائم التحذير من الجدل العقيم أو السوفسطائي، الذي ليس وراءه بيان لحق، ولا كشف لباطل، أو حلّ لمشكلة، أو تقارب في المواقف، لكن وراءه إيغار الصدور، وإثارة الفتن، واستمرار الصراع، وكثيرًا ما كان الإمام البنا يذكر بالحديث الشريف الذي رواه أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» (1) .
ومن هنا حذر في هذا الأصل من أصوله العشرين من الخوض في المسائل التي لا ينبني عليها عمل، ولا يترتب عليها أثر إيجابي في دين الإنسان أو دنياه، إلا ما تأكله من أوقات، وما قد تتركه من حزارات، أو تفريق بين الأفراد والجماعات.
ولهذا قال:"كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوص فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعًا"، يشير إلى قوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] ، وروي أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يمشي في طريق، فسقط عليه ماء من الميزاب - ماسورة السطح - وكان معه رفيق أصابه الماء أيضًا، فقال رفيق عمر: يا صاحب الميزاب! ماؤك طاهر أم نجس؟ فقال عمر: يا صاحب الميزاب، لا تخبرنا، فقد نهينا عن التكلف!
(1) رواه الترمذي في"التفسير" [3250] ، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في"المقدمة" (48) ، والحاكم في"المستدرك" (2/ 447، 448) ، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في"صحيح الجامع الصغير" [5633] .