فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 305

ومن ركائز"فقه الاختلاف"أو"فقه الائتلاف": التعاون والتعاضد في المواضع التي يتفق عليها الطرفان. فلا شك أن أي إمامين أو مذهبين أو تيارين يختلفان فيما بينهما، لا يتصور أن يختلفا في كل شيء، بل المتصور - والواقع فعلًا - هو أنهما يختلفان في قضايا، ويتفقان في أخرى، سنة الله في خلقه.

فإذا نظرنا إلى الخلافات الواقعة بين المذاهب الأربعة بعضها وبعض، نجد أنها تختلف في أشياء وتتفق في أشياء، وإذا نظرنا في كتاب يعني بمواضع الإجماع ومواضع الاختلاف فيما بينهما، نجده يقول في أول الباب: اتفقوا في كذا، واختلفوا في كذا، ويذكر غالبًا سبب الاتفاق، كما يذكر سبب الاختلاف.

وكذلك الخلافات بين المذاهب الأربعة وغيرها مثل مذهب الزيدية والجعفرية والإباضية والظاهرية، بين بعضها وبعض مسائل شتى متفق عليها، وهي المعروفة ب"مواضع الإجماع"التي يشترط الأصوليون لكل من يمارس الاجتهاد أن يكون عالمًا بها، حتى لا يخرق إجماع الأمة، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، وحتى لا يتبع غير سبيل المؤمنين، ويشذ عن جماعتهم، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، وإنما يأكل الذئب من الغنم الشاردة.

ولا يخفى على الدارسين أن أكثر مسائل الفقه مختلف فيها بين المذاهب بعضها وبعض، بل حتى داخل المذهب الواحد، وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة، ومن عوامل السعة والمرونة في شريعتها، ومن أسباب خصوبة فقهها وثرائه وتنوعه.

أما مسائل الإجماع فهي محدودة وقليلة جدًّا، ولكنها مهمة جدًّا؛ لأنها تجسد وحدة الأمة العقدية والفكرية والشعورية والسلوكية، كما أنها تجسد أيضًا"ثوابت الأمة"التي لا يجوز لأحد اختراقها، ولا يقبل من أحد تجاوزها؛ لأنها هي التي تجعل الأمة أمة متميزة، بملامحها ومقوماتها وخصائصها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت