فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 305

ومن ركائز فقه الاختلاف بل من أعظمها: التحذير من السقوط في هاوية التأثيم والتضليل للمخالفين، وتبعديهم وتفسيقهم، ناهيك عن تكفيرهم.

فمما لا شك فيه: أن كل مسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله. وقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك على رءوس الأشهاد في حجة الوداع في خطبته الجامعة، آمرًا أن يبلغ الشاهد الغائب: «إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» .

وعرض الإنسان هو ما نعبر عنه في عصرنا ب"السمعة والكرامة والحرمة"، فلكل إنسان حرمته وكرامته وسمعته في الناس. وأي إساءة للإنسان في هذا الجانب أو نقل أي خبر عنه، أو أي قصة تنال من حرمته، أو تلوث من سمعته أو تجرح من كرامته، فقد أذى صاحبها إيذاءً عظيمًا.

ولذا قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58] .

وقد اهتم الإسلام بالدفاع عن أعراض الناس، حتى جعل في الاعتداء عليها عقوبات ثلاث: عقوبة بدنية وهي الجلد، وعقوبة أدبية، وهي إسقاط اعتباره الاجتماعي بإسقاط شهادته، وعقوبة دينية، وهي رميه بالفسق، وذلك فيما عرف في الفقه ب"حد القذف"، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4 - 5] ، وقد أجمعوا على أن رمي المحصنين كبيرة مثل رمي المحصنات.

وقد اختلف الفقهاء في الاستثناء المذكور {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} ، هل يقتصر على الفسق فقط أم يشمل عدم قبول الشهادة أيضًا، خلاف بين الحنفية وغيرهم.

وإذا كانت أعراض الناس عامة محمية بهذا التشديد وهذا الوعيد، فإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت