فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 305

المأخذ، وعرة المسلك، بعيدة الملتمس، لا يليق الخطاب بتعلمها كي تتعرف آيات الله ودلائل توحيده للعرب الناشئين في محض الأمية، فكيف وهي مذمومة على ألسنة أهل الشريعة، منبه على ذمها بما تقدم في أول المسألة (1)

فإذا ثبت هذا، فالصواب أن ما لا ينبني عليه عمل غير مطلوب في الشرع.

فإن كان ثم ما يتوقف عليه المطلوب كألفاظ اللغة، وعلم النحو، والتفسير، وأشباه ذلك فلا إشكال أن ما يتوقف عليه المطلوب مطلوب، إما شرعًا، وإما عقلًا، حسبما تبين في موضعه (2) .

ومما لا ينبني عليه عمل، وهو مما ينبغي الإعراض عنه، وعدم الاشتغال به: السؤال عما لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة. وبعض الناس مهووسون بهذا اللون من الأسئلة العقيمة، التي تدل على فراغ العقل، وفراغ النفس، وفراغ الوقت،

(1) هذه المسألة تحتاج إلى تحقيق وتمحيص، فإذا كان العرب في عهد البعثة أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، فقد جاء الرسول الكريم ليخرجها من جهالة الأمية إلى نور العلم والمعرفة، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] ؛ ولهذا تعلم العرب بعد الإسلام وكتبوا وحسبوا، وكانوا أهل حضارة، وأصبحوا معلمين للعالم نحو عشرة قرون، والآن يحتاج العالم المسلم إلى أن يعرف قدرًا لا بأس به من علوم الطبيعة وغيرها، ليحسن فهم دينه، وفهم الواقع الذي يعيش فيه، ولا يستطيع الفقيه أن يفتي فيما يتعلق بالهندسة الوراثية والاستنساخ وزرع الأعضاء، وإثبات الهلال، وغيرها من مشكلات العصر الحديث، ما لم يكن ملمًّا بأوليات هذه العلوم.

وكذلك الداعية لا يحسن أن يدعو العالم إلى الإسلام وهو يجهل كيف يخاطبهم باللسان الذي يفهمون، فلسان الخواص غير لسان العوام، ولسان الناس في القرن الحادي والعشرين غير لسان الناس في القرون التي مضت.

وحسن تفسير القرآن في عصرنا لا يتم إلا بالإلمام بثقافة العصر، وتصحيح المعلومات الخاطئة التي اشتملت عليها التفاسير القديمة، وقد يستطيع بعض المتخصصلين الوصول إلى حقائق علمية بل معجزات علمية في آيات القرآن الكريم، مع التحذير من التكلف والاعتساف والمبالغة في"التفسير العلمي للقرآن"كما نبهنا عليه في كتابنا السالف الذكر:"العقل والعلم في القرآن".

(2) "الموافقات" (1/ 46 - 56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت