لمعجزة، ولذلك لما سحروا أعين الناس واسترهبوهم بسحر عظيم، خاف موسى من ذلك، ولو كان عالمًا به لم يخف، كما لم يخف العالمون به، وهم السحرة، فقال الله له: {لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} [طه: 68] ، ثم قال: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طله: 69] ، وهذا تعريف بعد التنكير. ولو كان عالمًا به لم يُعَرَّف به. والذي كان يعرف من ذلك أنهم مبطلون في دعواهم على الجملة. وهكذا الحكم في كل مسألة من هذا الباب. فإذا حصل الإبطال والرد، بأي وجه حصل، ولو بخارقة على يد وَلِيٍّ لله، أو أمر خارج عن ذلك العلم ناشئ عن فرقان التقوى، فهو المراد. فلم يتعين إذن طلب معرفة تلك العلوم من الشرع.
وعن الثالث: أن علم التفسير فيما يتوقف عليه فهم المراد من الخطاب إذا كان المراد معلومًا فالزيادة على ذلك تكلف. ويتبين ذلك في مسألة عمر: وذلك أنه لما قرأ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31] ، توقف في معنى الأبّ، وهو معنى إفرادي لا يقدح عدم العلم به في علم المعنى التركيبي في الآية، إذ هو مفهوم من حيث أخبر الله تعالى في شأن طعام الإنسان أنه أنزل من السماء ماء فأخرج به أصنافًا كثيرة مما هو من طعام الإنسان مباشرة، كالحب، والعنب، والزيتون، والنخل، ومما هو من طعامه بواسطة مما هو مرعى لأنعام على الجملة. فبقي التفصيل في كل فرد من تلك الأفراد فضلًا، فلا على الإنسان أن لا يعرفه. فمن هذا الوجه - والله أعلم - عد البحث عن معنى الأبّ من التكلف، وإلا فلو توقف عليه فهم المعنى التركيبي من جهته لما كان من التكلف، بل من المطلوب علمه لقوله: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29 [؛ ولذلك سأل الناس على المنبر عن معنى التخوف في قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47] ، فأجابه الرجل الهذلي بأن التخوف في لغتهم التنقص. وأنشده شاهدًا عليه:
تخوّف الرحلُ منها تامِكًا قَرِدًا ÷ كما تخوّف عودَ النبعة السَّفَنُ
فقال عمر: يا أيها الناس، تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم.
ولما كان السؤال في محافل الناس عن معنى: وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا